الملخص
يتناول المقال دور منظمات القطاع غير الربحي في الحد من آثار اقتصاد , K الذي يوسع الفجوة بين الفئات المستفيدة من التحول الرقمي والفئات الأقل حظاً. ويؤكد أن هذه المنظمات تستطيع إعادة التوازن عبر التدريب المرتبط بسوق العمل، وتعزيز المهارات الرقمية، وبناء الشراكات، وتقديم الدعم الاجتماعي، مع ضرورة قياس الأثر وتحسين السياسات لضمان تنمية أكثر عدالة واستدامة.
مقدمة
اعتاد الاقتصاديون بعد الأزمات الكبرى استخدام الحروف الأبجدية اللاتينية لتوصيف مسارات التعافي الاقتصادي، فالتعافي على شكل (V) يشير إلى هبوط سريع يعقبه ارتداد سريع، بينما يرمز التعافي على شكل (U) إلى ركود يمتد لفترة، قبل أن يبدأ الصعود التدريجي، أما التعافي على شكل ( (W فيعبر عن انتكاسات متكررة قبل الاستقرار، في حين يشير المسار L)) إلى هبوط حاد يعقبه ركود طويل دون تعاف واضح.
غير أن تداعيات جائحة كوفيد 19 كشفت عن نمط مختلف من التعافي الاقتصادي لم يعد بالإمكان تفسيره عبر هذه النماذج التقليدية؛ إذ لم يعد التعافي مساراً واحداً لجميع الفئات الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا برز مفهوم اقتصاد K (K-Shaped Economy) الذي يصف حالة ينقسم فيها الاقتصاد إلى مسارين متباينين؛ أحدهما صاعد تستفيد فيه قطاعات وفئات اجتماعية من التحول الرقمي وارتفاع قيمة الأصول، والآخر هابط تتعرض فيه فئات أخرى لفقدان الوظائف أو تراجع الدخل أو انخفاض الطلب على مهاراتها.
وقد ارتبط انتشار هذا المفهوم في الخطاب الاقتصادي المعاصر باسم الاقتصادي بيتر أتووتر، مؤسس شركة (Financial Insyghts) للأبحاث، والذي استخدم المصطلح في عام 2020 لتوصيف الفجوة المتزايدة بين العاملين القادرين على أداء وظائفهم عن بعد، وبين أولئك المرتبطين بوظائف تتطلب الحضور المباشر، ومع مرور الوقت تبنته العديد من المنصات الكبرى بوصفه إطار تفسيرياً لاقتصاد يتسارع نموه في قمته بينما تتآكل قاعدته الاجتماعية.
وتشير التقارير الاقتصادية الحديثة إلى أن اقتصاد K لا يمثل مجرد وصف بياني لمسار التعافي الاقتصادي، بل يعد إطارا تحليلياً يساعد على فهم محركات اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وذلك عندما تتمكن شرائح اجتماعية معينة من الوصول السريع إلى رأس المال والمهارات والتقنيات الحديثة، في حين تتعثر شرائح أخرى بسبب محدودية الموارد أو ضعف المهارات أو الفجوة الرقمية.
وفي تقرير أصدره بنك (USA) يصف اقتصاد Kبأنه، مسار اقتصادي متشعب تستفيد فيه الأسر الأعلى دخلاً من ارتفاع قيم الأصول، ومن فرص العمل عن بُعد والقدرة على توظيف التقنية، بينما تواجه الأسر ذات الدخل المنخفض ضغوطاً مالية متزايدة وتحديات في الوصول إلى الفرص الاقتصادية، وهو وضع قد يتفاقم مع التوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إذا لم توزع فرص الاستفادة منها بصورة أكثر عدالة.
تشير مجموعة من التقارير الدولية الحديثة إلى أَن التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة تسهم في تعميق التباينات داخل الاقتصادات المعاصرة، وهو ما يفسر اتساع ظاهرة التعافي غير المتكافئ المعروفة باقتصاد (K-Shaped Economy)، وتكشف البيانات العالمية عن عدد من المؤشرات الرقمية التي تساعد في تفسير أسباب تنامي الحاجة إلى تدخلات التنمية الاجتماعية، ودور منظمات القطاع غير الربحي في الحد من اتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وتظهر نتائج التقارير كالآتي:
- على مستوى سوق العمل العالمي، يقدر صندوق النقد الدولي (IMF) أن نحو 40% من الوظائف عالمياً معرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، مع ارتفاع هذه النسبة في الاقتصادات المتقدمة لتصل إلى نحو 60% ، نتيجة الاعتماد الأكبر على الوظائف المعرفية والتقنية؛ وهو ما يشير إلى احتمالات متزايدة لإعادة تشكيل هيكل سوق العمل العالمي خلال السنوات المقبلة.
- يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يشهد سوق العمل العالمي تحولات هيكلية مؤثرة خلال الفترة 2025-2030، بحيث تتأثر نحو 22% من الوظائف الحالية بهذه التحولات، وتشير تقديرات المنتدى إلى احتمال خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة تمثل ما يقارب 14% من إجمالي الوظائف الحالية، في مقابل اختفاء نحو 92 مليون وظيفة تعادل 8% من الوظائف القائمة، بما يؤدي إلى صافي نمو يقارب 78 مليون وظيفة عالمياً.
- البيانات إلى تحولات عميقة في طبيعة المهارات المطلوبة في سوق العمل؛ إذ يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن نحو 39% من المهارات الحالية للقوى العاملة ستتغير أو ستصبح غير ملائمة، بحلول عام 2030، كما سيحتاج 59% من العاملين إلى إعادة تدريب أو تأهيل مهني خلال السنوات المقبلة، في حين قد لا يحصل نحو 11% من العاملين على فرص التدريب اللازمة للتكيف مع هذه التحولات.
- تقدم تحليلات شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PWC) مؤشرات إضافية تدل على اتساع الفجوة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي؛ إذ تشير تقاريرها إلى أن العلاوة في الأجور المرتبطة بمهارات الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 56% مقارنة بالوظائف التقليدية، كما تحقق المؤسسات العاملة في القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي إيرادات لكل موظف أعلى بثلاث مرات مقارنة بالقطاعات الأقل تعرضاً، إضافة إلى تسارع وتيرة تغير المهارات المطلوبة في هذه القطاعات بنسبة تصل إلى 66%.
- لا تزال فجوة الوصول الرقمي واسعة؛ إذ تشير تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 5.5 مليار شخص كانوا متصلين بالإنترنت في عام 2024 (نسبة 68% من سكان العالم)، في حين لا يزال نحو 2.6 مليار شخص خارج نطاق الاتصال، كما تظهر فجوة واضحة بين الدول مرتفعة الدخل التي تبلغ نسبة استخدام الإنترنت فيها نحو 93%، والدول منخفضة الدخل التي لا تتجاوز فيها النسبة27%.
- على مستوى التنمية البشرية بين الدول، يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أَن فجوة عدم المساواة في قيم مؤشر التنمية البشرية بين الدول الواقعة في قاع المؤشر وتلك الواقعة في قمته عادت إلى الاتساع بعد نحو عشرين عاماً من التقدم، وقد تفاقم هذا الاتجاه عقب التراجعات التي شهدها العالم خلال عامي 2020 و 2021، مع تعافٍ غير متكافئ؛ إذ تعافت معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريباً، في حين تعافت نحو نصف الدول الأقل نمواً فقط.
وفي هذا السياق تبرز أهمية فهم دور منظمات القطاع غير الربحي الذي يقوم أساساً على تقليل احتمالية انزلاق الأفراد والأسر إلى المسار الهابط في اقتصاد K، وذلك من خلال بناء القدرات، وتعزيز الإدماج الرقمي، وربط برامج التدريب باحتياجات سوق العمل، وتقديم خدمات مساندة تقلل من عوائق المشاركة الاقتصادية، ويتم ذلك بالتوازي مع أدوار تشريعية وتمكينية تسهم في تحسين العدالة في توزيع مكاسب الإنتاجية، وتدعم هذا التوجه نتائج عدد من التقييمات الصارمة لبرامج التدريب المرتبطة بالطلب في سوق العمل مثل البرامج القطاعية وبرامج التدريب المصحوب بالتطبيق العملي التي أظهرت تحقيق مكاسب دخل مستدامة لبعض الفئات المستفيدة، ومع ذلك، تشير هذه التقييمات إلى وجود تباين واضح في النتائج؛ إذ غالباً ما يتراجع أثر بعض البرامج عندما تغيب شراكات أصحاب العمل، أو يضعف مستوى التنفيذ، أو تقل جودة الدعم المصاحب للمستفيدين.
نطاق البحث
استنادًا إلى ما ورد في تقارير المنظمات الدولية، مثل: تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والبنك الدولي(World Bank)، ومنظمة العمل الدولية (ILO)، والمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، والتي تناولت تحولات سوق العمل، واتساع الفجوات التنموية في مرحلة ما بعد الجائحة، يتحدد نطاق هذا البحث في إطار تحليلي عالمي، يدرس ظاهرة اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) وما يرتبط بها من مظاهر التعافي الاقتصادي غير المتكافئ بين الدول، وداخل المجتمعات، ويركز البحث على تحليل الدور الذي يمكن أن تضطلع به منظمات القطاع غير الربحي؛ في الحد من آثار هذا التباين، وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الأكثر عرضة للتهميش.
وينطلق البحث من مقاربة ومقارنة، تستفيد من البيانات والتقارير الدولية المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية، دون حصر جغرافي محدد، مع الاستئناس بعدد من النماذج التطبيقية في الدول والمناطق التي تتوافر عنها دراسات وتقييمات منشورة، لبرامج التنمية الاجتماعية وبناء القدرات، مثل: الولايات المتحدة، والهند، وكينيا، وبعض دول المنطقة العربية. ويتيح هذا التوجه توظيف الخبرات الدولية المقارنة في تحليل الآليات، التي يمكن من خلالها تعزيز دور منظمات القطاع غير الربحي في تقليص الفجوات الاقتصادية، ودعم فرص العمل، وتعزيز العدالة في توزيع مكاسب النمو الاقتصادي (J-PAL, 2022).
منهجية البحث ومصادره
يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي، والتحليلي المدعوم بالاستقراء؛ وذلك بهدف تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بظاهرة اقتصاد-كي، وتفسير الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها منظمات القطاع غير الربحي في الحد من اتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، ويقوم المنهج المتبع على تحليل المرجعيات والتقارير الدولية، والبيانات المنشورة، واستقراء المؤشرات، والاتجاهات الرئيسة الواردة فيها، ثم تفسيرها، وتحليل دلالاتها في ضوء الأدبيات الاقتصادية والتنموية المعاصرة.
وفي هذا الإطار، اعتمد البحث على منهجية تحليل متعددة المصادر، تستند إلى ثلاث فئات رئيسة من البيانات والمرجعيات، وذلك على النحو الآتي:
- التقارير الدولية والمؤسساتية: استند البحث إلى مجموعة من التقارير الرسمية وأوراق العمل الصادرة عن المنظمات الدولية، والمؤسسات البحثية، مثل: صندوق النقد الدولي، ومنظمة العمل الدولية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، والاتحاد الدولي للاتصالات، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وقد تم الاعتماد على هذه المصادر؛ نظرًا لما تتسم به من موثوقية علمية، وشفافية منهجية؛ إذ تنشر هذه الجهات منهجيات القياس، وحزم البيانات المستخدمة، وحدود الاستدلال الإحصائي بوضوح؛ وهو ما يجعلها مرجعيات أساسية في الدراسات الاقتصادية والتنموية المقارنة.
- تحليلات سوق العمل والبيانات الاقتصادية التطبيقية: استفاد البحث من التحليلات الاقتصادية، وبيانات سوق العمل، المستمدة من تقارير المؤسسات الاقتصادية والاستشارية العالمية، خاصة التي تعتمد على تحليل بيانات إعلانات الوظائف والمهارات المطلوبة في الأسواق، ومن بين المصادر التي تم الاستفادة منها تقارير شركات، مثل: برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، وغولدمان ساكس (Goldman Sachs)، والتي توفر تقديرات حول اتجاهات نمو الإنتاجية، والتغير في المهارات المطلوبة، ومستويات الأجور المرتبطة بالتقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي.
- دراسات تقييم أثر البرامج التنموية: اعتمد البحث كذلك على الدراسات التي تقيم أثر البرامج التنموية، التي تنفذها منظمات القطاع غير الربحي، أو الشراكات المرتبطة بها، مع إعطاء أولوية للدراسات التي تعتمد المنهجيات التجريبية أو شبه التجريبية في تقييم الأثر، مثل الدراسات التي تستخدم التخصيص العشوائي (Randomized Controlled Trials)، أو تصميمات التقييم شبه التجريبية، ومن بين الجهات التي تم الرجوع إلى تقاريرها في هذا المجال مؤسسات تقييم معروفة، مثل (MDRC)، إضافة إلى شركات تقييم السياسات العامة، مثل (Abt Global)؛ لما تقدمه من دراسات منهجية حول فاعلية برامج التدريب المرتبط بسوق العمل، وبرامج الإدماج الاقتصادي (PwC, 2025).
المعايير المعتمدة للموثوقية
- إمكانية التحقق عبر مصادر متعددة، عندما يكون الادعاء حساسًا.
- شفافية المنهجية والتعريفات.
- حداثة البيانات قدر الإمكان خاصة في الذكاء الاصطناعي (2023-2025/2026).
- وجود مراجعة أو اعتماد مؤسسي.
النطاق الزمني:
تم الاعتماد في تحليل الإنتاجية والوظائف والمهارات على بيانات وتقديرات تمتد خلال الفترة 2018-2025؛ وذلك لإتاحة المقارنة بين المرحلة السابقة لانتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي والمرحلة اللاحقة له، فقد استندت بعض التحليلات إلى تقارير (PwC)التي تقيس التغيرات في سوق العمل قبل وبعد توسع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ عام 2022، في حين اعتمدت مؤشرات سوق العمل العالمية، وبيانات الاتصال الرقمي على الإصدارات الأحدث المتاحة للفترة 2023-2024م.
اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) كإطار للتفاوت الاجتماعي
اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) يصف مسارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، تتشعب فيه النتائج بين مجموعات سكانية أو قطاعات، بحيث ترتفع قدرة مجموعة على التعافي أو التقدم (الذراع الصاعد للحرف اللاتيني (K)، بينما تتدهور أو تتباطأ مجموعة أخرى (الذراع الهابط من الحرف نفسه)، ويربط تقرير (Abt Global) هذا المفهوم بإظهار كيف استفادت الأسر الأعلى دخلًا من العمل عن بعد، وارتفاع الأصول، والتحول الرقمي، بينما تعرض العمال منخفضو الأجر لتسريحات وظيفية، واضطراب أطول في سوق العمل، وضغط تضخمي يلتهم الأجور الحقيقية، مع التحذير من أن التغيرات التقنية السريعة، مثل الذكاء الاصطناعي، قد تزيد هذه الفجوة. (Abt Global, 2022).
ولدعم هذا التعريف بالبيانات، تمت مراجعة دراسة مكتب إحصاءات العمل الأمريكي التي تستخدم بيانات مسحية رسمية؛ لتتبع التعافي حسب شرائح الأجور في الولايات المتحدة بعد جائحة كوفيد-19، وقد وجدت الدراسة أن الوظائف ذات الأجور الأدنى شهدت هبوطًا أشد، وخسائر أكثر استمرارًا مقارنة بالوظائف الأعلى أجرًا، مع استمرار فجوة واضحة في مستويات التوظيف بين المجموعات خلال مراحل التعافي المبكر (J-PAL, 2022).
وعلى مستوى أوسع، يضيف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بُعدًا دوليًا لهذه الظاهرة. فبعد قرابة عقدين من التحسن النسبي في مؤشرات التنمية البشرية، بدأت الفجوات بين الدول الواقعة في قمة المؤشر، وتلك الواقعة في قاعدته بالاتساع مجددًا، خصوصًا منذ عام 2020، ويشير ذلك إلى أن نمط اقتصاد-كي لا يقتصر على التفاوت داخل الدولة الواحدة، بل يمتد أيضا إلى العلاقات بين الدول؛ تبعًا لاختلاف قدراتها على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الرقمية.
ومن خلال تحليل الأدبيات والتقارير ذات الصلة، يمكن تحديد أربع آليات رئيسة تسهم في تشكل المسارين الصاعد والهابط في اقتصاد-كي:
- تفاوت امتلاك الأصول والقدرة على امتصاص الصدمات: فالأفراد أو الفئات التي تمتلك أصولًا أو قدرة على الادخار، تستفيد من ارتفاع قيم الأصول، بينما تتضرر الفئات التي تعتمد على الأجور الاسمية التي تتآكل بفعل التضخم.
- فجوة المهارات وتسارع التغير التقني: إذ تتبنى القطاعات المعرفية والتقنية الابتكارات الجديدة بوتيرة أسرع؛ وهو ما يؤدي إلى زيادة الأجور في هذه القطاعات، وخلق حواجز دخول جديدة إلى سوق العمل.
- الفجوة الرقمية والقدرة على النفاذ إلى التقنيات: فضعف الوصول إلى الإنترنت والأجهزة والمهارات الرقمية، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي باحترافية، يحد من فرص التعلم والعمل والخدمات، ويعمق مسار التراجع الاقتصادي والاجتماعي.
- اختلالات الحماية الاجتماعية وجودة العمل: حيث يؤدي توسع أنماط العمل المؤقت أو غير المستقر إلى تقليص قدرة الأفراد على الصمود الاقتصادي، وإعادة التموضع في سوق العمل (UNDP, 2024).
ومن خلال ما تم عرضه، فإن اقتصاد-كي لا يعكس تباينًا اقتصاديًا فحسب، بل يعبر أيضا عن نتائج اجتماعية أعمق. فالتنمية الاجتماعية في هذا السياق تتمثل في تعزيز قدرة الأفراد على المشاركة الكريمة والفاعلة في سوق العمل والخدمات، والحد من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالتفاوت، مثل: الفقر، وضعف الاندماج الاجتماعي، وتراجع الشعور بالمشاركة في صنع القرار. ويتقاطع ذلك مع ما يؤكده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن مسار التنمية لا يقاس بالدخل وحده، بل يشمل أيضًا شعور الأفراد بالتمكين والقدرة على التأثير في مسارات حياتهم ومجتمعاتهم (MDRC, 2016).
تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والمهارات
تشير معظم الأدبيات إلى أن التحليلات المعاصرة تركز على قابلية المهام للأتمتة أكثر من تركيزها على اختفاء الوظائف بالكامل؛ إذ غالبًا ما تتكون الوظيفة الواحدة من مجموعة مهام، يكون بعضها قابلًا للأتمتة، بينما يتطلب بعضها الآخر تدخلًا بشريًا. ونتيجة لذلك، يتجه تأثير الذكاء الاصطناعي في الغالب إلى إعادة تشكيل طبيعة العمل وتحويل مكوناته، بدلاً من إلغائه كليًا.
ويظهر هذا التمييز بوضوح في تحليل صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund)، الذي يفرق بين درجة تعرض الوظائف للتقنيات، وبين الأثر الفعلي لهذه التقنيات في سوق العمل. وتشير تقديراته إلى أن نحو نصف الوظائف في الاقتصادات المتقدمة معرض بدرجات متفاوتة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي؛ إذ قد تتأثر بعض الوظائف سلبًا نتيجة إحلال بعض المهام، في حين قد تستفيد وظائف أخرى من تكامل القدرات البشرية مع التقنيات الذكية، بما يعزز الإنتاجية، ويفتح فرصًا جديدة للنمو المهني والاقتصادي.
ثلاث مجموعات من البيانات تساعدنا في فهم كيف يغذي الذكاء الاصطناعي اقتصاد-كي:
- تقديرات التعرض والإزاحة على مستوى الاقتصاد الكلي: تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميًا معرضة بدرجات متفاوتة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة. كما تقدر غولدمان ساكس أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يرفع الناتج العالمي بنحو 7%، أي: ما يقارب 7 تريليونات دولار سنويًا، وأن ما يصل إلى 300 مليون وظيفة بدوام كامل قد تتأثر عبر إعادة تشكيل تدفقات العمل فيها، وتؤكد التقديرات أن هذا التأثر لا يعني اختفاء الوظائف بالكامل، بل إعادة هيكلة مهامها جزئيًا أو كليًا (UN Bahrain, 2024).
- دلائل سوقية على تسارع تغير المهارات: يشير تحليل (PwC) إلى أنّ الأجور المرتبطة بمهارات الذكاء الاصطناعي أعلى بنحو 56%، مقارنة بالوظائف المماثلة دون تلك المهارات، كما أن الصناعات الأعلى تعرضًا للذكاء الاصطناعي سجلت نموًا في الإيراد لكل موظف يبلغ 27%، مقابل 9% في الصناعات الأقل تعرضًا، كما تتغير المهارات المطلوبة في الوظائف الأعلى تعرضا بمعدل أسرع يصل إلى 66%، هذا التسارع يعني أن من لا يواكب التدريب يواجه ركودًا في أجره، وتراجعًا تدريجيًا في فرصه المهنية؛ وهو ما يعكس عمليًا ديناميكية الذراعين في اقتصاد-كي.
- فروق التعرض حسب نوع الوظائف والجنس والفئات: تشير ورقة عمل لمنظمة العمل الدولية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أنّ الأعمال الكتابية من أكثر الفئات تعرضًا؛ إذ إن 24% من مهامها تقع ضمن فئة التعرض المرتفع، و58% ضمن التعرض المتوسط، مع اعتبار هذه التقديرات حدًا أعلى للتعرض، وفي المنطقة العربية، تلخص تقارير الأمم المتحدة في البحرين نتائج منظمة العمل الدولية بأنّ نحو 14.6% من الوظائف قد تستفيد من التعزيز عبر الذكاء الاصطناعي، مقابل 2.2% قد تكون قابلة للأتمتة الكاملة. كما تظهر فجوة نوعية؛ إذ إن نسبة الوظائف النسائية المعرضة للأتمتة أعلى من الرجال، وفي المقابل فإن استفادتهن المحتملة من التعزيز أعلى أيضًا (U.S. Bank, 2026).
عند تجميع هذه المؤشرات يتضح أن الذكاء الاصطناعي يعمل بوصفه مضاعفًا لاقتصاد-كي (K-Shaped Economy) عبر ثلاث قنوات رئيسة:
- رفع إنتاجية من يمتلك المهارات والأدوات الرقمية.
- تسريع تقادم المهارات في وظائف محددة؛ وهو يؤدي إلى إهلاكها مهنيًا بشكل أسرع.
- نقل عبء المخاطر إلى الفئات الأقل حماية اجتماعيًا، لا سيما العاملين في الاقتصاد غير الرسمي أو منخفضي الدخل.
وتعزز تقارير منظمة العمل الدولية هذا الاتجاه؛ إذ تشير إلى أن حجم العمل غير الرسمي بلغ قرابة ملياري عامل في 2024، مع استمرار ظاهرة فقر العامل، وهذا يعني أن شريحة واسعة تدخل عصر الذكاء الاصطناعي، وهي في وضع هش أصلًا.
كما أن الوصول الرقمي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل شرط أساسي للاستفادة من فرص التدريب والعمل الرقمي. وتشير بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات (International Telecommunication Union) إلى أن 2.6 مليار شخص كانوا خارج نطاق الاتصال بالإنترنت في عام 2024، مع فجوة واضحة بين الدول مرتفعة الدخل التي تصل فيها نسبة الاتصال إلى 93%، مقابل 27% فقط في الدول منخفضة الدخل.
وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي لا يصنع هذا الانقسام من فراغ في البنية الاقتصادية للدول، بل يعمق انقسامًا قائمًا، ويعيد توزيع الفرص داخل الاقتصاد الواحد وفق القدرة على الوصول الرقمي، ومستوى المهارة، وتوافر الحماية الاجتماعية.
كيف يسهم القطاع غير الربحي في التنمية الاجتماعية داخل اقتصاد-كي
تتضاعف قيمة القطاع غير الربحي في سياق اقتصاد-كي (K-Shaped Economy)؛ حين ينتقل من كونه يقدم خدمات متفرقة، إلى دوره في بناء منظومة انتقال عادلة، أي: ألا يكتفي بتقديم تدريب أو إعانة مؤقتة، بل يصمم مسارًا متكاملًا، يجمع بين تدريب مرتبط بالطلب الفعلي في سوق العمل، ودعم اجتماعي يخفف العوائق أمام الفئات المستهدفة، وتأثيرٍ فاعل في الفضاء العام، يضمن توزيعًا أكثر عدلًا لمكاسب الإنتاجية، هذا التحول يتسق مع ما تؤكده التقارير الدولية من أن فجوات المهارات، وسرعة إدماج التقنية عاملان حاسمان في منع اتساع الفجوة الاجتماعية. (IMF, 2024).
وعليه يمكن تنظيم أدوار القطاع غير الربحي في أربعة مسارات مترابطة:
- المسار الخدمي: تصميم وتنفيذ برامج إعادة مهارة، ورفع مهارة موجهة إلى فئات محددة، مع خدمات مساندة، مثل: النقل، رعاية الأطفال، الإرشاد الوظيفي. الأدلة المستقاة من برامج التدريب القطاعي تشير إلى أن تكاليف التشغيل تكون في نطاق متوسط، مقابل أثر ملموس على دخل المستفيدين في بعض الحالات؛ وهو ما يجعل هذه البرامج أداة تنمية اجتماعية ذات عائد اقتصادي واجتماعي.
- المسار المرتبط بالسياسات العامة: إنتاج البيانات والأدلة الميدانية، والدفع نحو سياسات تمويل، ومنح قائمة على النتائج، وتوسيع نطاق التدريب الممول، وربط نظم الحماية الاجتماعية بانتقالات سوق العمل، مثل توفير دعم دخل مؤقت في أثناء فترات التدريب، هذا المسار يهدف إلى تقليل المخاطر الفردية المصاحبة للتحول المهني، بحيث لا يتحمل الأفراد وحدهم كلفة إعادة التأهيل.
- مسار الشراكات مع القطاع الخاص: الانتقال من عرض تدريبي عام إلى بناء سلاسل توريد مهارات بالشراكة مع أصحاب العمل، بما يشمل تصميم المناهج بالتعاون معهم، وإتاحة التدريب العملي، وربط البرامج بالتوظيف الفعلي، وتشير التقييمات البحثية إلى أن الفارق بين البرامج عالية الأثر وتلك الأقل أثرًا يرتبط بدرجة نضج علاقات أصحاب العمل وجودة التنفيذ (BLS, 2021).
- المسار التشغيلي والابتكار الاجتماعي: تجريب نماذج منخفضة التكلفة للتعلم المدمج، واستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتخصيص التدريب والإرشاد، مع حوكمة صارمة للبيانات والخصوصية؛ حتى لا تتحول التقنية إلى مصدر مخاطر جديد على الفئات الهشة، وهذا يتسق مع التحذيرات الدولية من أن الذكاء الاصطناعي قد يعمق عدم المساواة بين الدول ودخلها، إذا غابت الحوكمة أو تأخر التبني المحلي.
بهذا المعنى، لا يقتصر دور القطاع غير الربحي على التخفيف من آثار اقتصاد-كي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل مسارات الانتقال داخله، عبر تدخلات قائمة على الطلب، مسندة بالسياسات العامة، ومبنية على شراكات إنتاجية حقيقية.
الجدول (1): مقارنة لنماذج تدخلات القطاع غير الربحي
| نموذج تدخل غير ربحي | وصف مختصر | نطاق نموذجي | تكلفة تقريبية | مؤشرات أثر قابلة للقياس |
| تدريب قطاعي مرتبط بالطلب | تدريب مهني موجه لقطاعات مطلوبة، مع توظيف ووساطة عمل وخدمات مساندة. | 300-2000 مستفيد سنويًا حسب المدينة والشركاء | متوسط: نحو 25000 ريال لكل مشارك في نموذج (WorkAdvance) | إتمام التدريب، شهادات، توظيف في القطاع المستهدف، زيادة دخل بعد 1-3-7 سنوات، تكلفة لكل توظيف. |
| تدريب مع تدريب عملي بالقطاع الخاص | تدريب بدوام كامل، ثم تدريب عملي مساند بتوظيف في وظائف معرفية مبتدئة. | مئات إلى آلاف سنويًا حسب قدرة القطاع الخاص | مرتفع نسبيًا من بيانات العائد، وأن كلفة كلية تقريبية قد تكون في نطاق عشرات الآلاف لكل مشارك | فرق دخل طويل المدى، نسبة توظيف، استقرار وظيفي، خفض الاعتماد على إعانات، عائد لكل ريال. |
| إدماج رقمي وتمكين الوصول | توفير اتصال أجهزة محو أمية رقمية كشرط للتعلم والعمل والخدمات. | واسع جدًا إذا تم عبر شبكات محلية | منخفض إلى متوسط حسب الدعم العيني. | نسبة اتصال فعلي، إجادة مهارات رقمية أساسية، استخدام منصات تدريب، خفض فجوة الوصول للفئات المستهدفة. |
| رفع مهارة داخل الوظيفة | تدريب قصير ومحدد لمهارات رقمية/ ذكاء اصطناعي؛ لرفع إنتاجية عاملين معرضين لتغير المهام. | منظمات/ شركات شريكة | متوسط، يعتمد على عدد الساعات وأدوات التعلم | تغير في مهام العمل، إنتاجية، نمو أجر، تبني أدوات رقمية، تقليل أخطاء أو زمن دورة. |
| دعم انتقالات العمل مع حماية اجتماعية | إعانات تدريب، إرشاد وظيفي، دعم دخل مؤقت، وخدمات توظيف للفئات الهشة | عبر شراكة مع مؤسسات القطاع الحكومي | متوسط إلى مرتفع حسب حجم الدعم النقدي | زمن العودة للتوظيف، دوام الوظيفة بعد 6-12 شهرًا، خفض الفقر العامل، قياس كلفة أثر. |
ملاحظة منهجية:
في بند "التدريب مع تدريب عملي" التكلفة تقريبية مستنتجة؛ لأن مصدر التقييم المفتوح الذي روجِع يركز على العائد الصافي والأثر، ولا يقدم تفصيلًا مباشرًا للتكلفة الكلية في النصف المتاح؛ لذلك تعاملنا معها بوصفها نطاقًا وليس رقمًا قطعيًا.
الجدول (2): مقارنة للفئات السكانية الأكثر عرضة للتهميش في اقتصاد-كي
| فئة سكانية | خصائص ومواقع شائعة على منحنى (K) | مخاطر رئيسية | احتياجات تدريبية/ خدمية |
| شباب خارج التعليم والعمل | دخول سوق العمل عبر وظائف دنيا معرضة للانكماش أو الاستبدال. | فقدان "بوابة الخبرة" إذا اختفت وظائف الدنيا، وبطالة، وتحول نحو عمل هش. | مهارات رقمية وعملية، تدريب مع تجربة عمل، إرشاد وظيفي، دعم انتقال. |
| المرأة في وظائف روتينية | تركيز في مهام إدارية قابلة للأتمتة أو إعادة التصميم. | تعرض أعلى للأتمتة، وفجوة في الاستفادة دون سياسات إدماج. | إعادة مهارة نحو وظائف تتضمن تفاعلًا إنسانيًا وتحليلًا، ودعم رعاية، وسياسات توظيف منصفة. |
| منخفضو المهارة العمل المؤقت | دخل غير مستقر وحماية اجتماعية أضعف. | صدمة دخل مع تغير الطلب، صعوبة تمويل التدريب ذاتيًا. | مهارات قابلة للتوظيف محليًا، وتدريب قصير مع دعم دخل، وربط بخدمات توظيف. |
| كبار السن | صعوبة اكتساب مهارة بسرعة مع تغير المهام. | إقصاء من التحول الرقمي، وفجوة مهارات. | تدريب تدريجي، وتصميم تعلم مناسب، ودعم وظيفي داخل العمل. |
| سكان مناطق ضعيفة الاتصال | وصول أقل للتعليم والمنصات والخدمات. | بقاء ضمن الذراع الهابط بسبب البنية الرقمية. | إنترنت وأدوات، محو أمية رقمية، حلول تعلم غير متصل أو منخفض النطاق. |
| العمالة المقيمة الأقل مهارة والمهمشة | عوائق قانونية، تنقل، لغة، إتاحة. | تمييز وتهميش مضاعف. | مسارات مهارة مرنة، تيسيرات، شراكات توظيف، خدمات دعم. |
| ذوو الإعاقة | صعوبات صحية، وصول أقل للموارد التعلمية | بقاء ضمن الذراع الهابط بسبب الظروف الصحية. | مسارات مهارية ملائمة لكل فئة. |
| عاملون في وظائف مرشحة للانكماش | مثل إدخال البيانات، والسكرتارية، وبعض الأدوار المكتبية. | إزاحة وظيفية أو ضغط أجر. | إعادة توجيه إلى وظائف نامية، تدريب مهارات نقلية، دعم انتقال. |
الشكل (1): مخطط مرئي لعلاقة اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) بالنتائج الاجتماعية
الشكل (2): مخطط سير عمل لتدخل نموذجي لمنظمة غير ربحية لردم فجوة المهارات
دراسات حالة، وما الذي؟ نجح وما الذي فشل؟
تناول هذا البحث عدة حالات لها تقييم أثر منشور، ويمكن الاستناد إليه؛ لتمييز ما ينجح في نقل أفراد من الذراع الهابط إلى الأقرب للذراع الصاعد.
الحالة الأولى (Year Up) كنموذج تدريب مكثف أتبع بنموذج تدريب عملي في الشركات الشريكة
يظهر ملخص تقييم أجرته (Abt Global)، التقييم الذي اعتمد على تجربة عشوائية في مدن عدة، أن أرباح المشاركين الفصلية بعد سبع سنوات كانت أعلى بنحو 28%، (1,895 دولارًا) مقارنة بمجموعة المقارنة، مع عائد اجتماعي يقدر بنحو 2.46 دولار لكل دولار تكلفة تم صرفه في التدريب، وصافي مكسب للمجتمع بنحو 34,328 دولارًا لكل مشارك، هذه الأدلة تشير إلى أن الإدماج بين تدريب مكثف وتدريب عملي، على رأس عمل وشراكات، يمكن أن ينتج أثرًا ودخلًا مستدامًا نسبيًا (WEF, 2025).
الحالة الثانية (Per Scholas) كنموذج للتدريب القطاعي الموجه
أظهر تقييم أجرته (MDRC)، أن الأثر تحقق أساسًا عبر رفع الأجور، لا عبر زيادة التوظيف، فقد بلغ دخل المشاركين في السنة السابعة نحو 40,494 دولارًا مقابل 35,651 دولارًا للمجموعة الضابطة، بفارق 4,844 دولارًا، مع ارتفاع نسبة من تجاوزوا 40,000 دولار سنويًا.
أما من ناحية التكلفة، فتراوحت بين 5,200 و6,700 دولار لكل مشارك، مع صافي تكلفة أقل في بعض المواقع، وهذا يعني أن البرنامج لم يوسع فرص الدخول إلى السوق، بقدر ما حسن جودة الوظائف والدخل داخلها، وكانت المشكلة أن تقييمًا لاحقاً بعد عشر سنوات أظهر أن الأثر بدأ يتلاشى، ولم يعد ذا دلالة إحصائية في بعض المواقع بعد السنة التاسعة، مما يدل على أن التحسن ممكن، لكنه غير مضمون الاستمرار، وفي القطاعات سريعة التغير، لا يكفي تدريب لمرة واحدة، بل يلزم تحديث مستمر للمهارات.
الحالة الثالثة (Generation) كنموذج تدريب موجه للشباب مع تقييم مستقل
أظهر تقييم مستقل أجرته (Mathematica) عام 2019م، على عينة من خريجي البرنامج في الهند، أن 44% من المتدربين كانوا موظفين، أي أعلى بنحو 19 نقطة مئوية من المجموعة الضابطة، كما كان إجمالي دخلهم أعلى بنحو 75%. وفي تقييم موازٍ في كينيا، بلغت نسبة التوظيف 55% بين الخريجين، مقابل 34% لغير المقبولين، وذلك يعني أن النجاح هنا لم يكن بفضل التدريب بحد ذاته، بل بفضل تصميم البرنامج، واختيار دقيق للمستفيدين، مع تدريب شديد التركيز، وربط مباشر بالتوظيف.
لكن التحفظ المهم هنا أن الأدبيات العامة تشير إلى أن كثيرا من برامج التدريب لا تحقق أثرا ملموسا، حتى في الدول مرتفعة الدخل، فبرنامج (Job Corps) الأمريكي، رغم ضخامة تمويله الحكومي وعقود تشغيله، أظهرت تقييماته الموسعة (Schochet et al., 2008) أن أثره على الأجور تلاشى بعد أربع سنوات لدى غالبية الفئات العمرية، وعلى المنوال ذاته، رصدت مراجعات (J-PAL 2022) أن غالبية برامج التدريب الموجهة للشباب في الدول منخفضة الدخل لا ترتقي إلى عتبة الدلالة الإحصائية، ويعني ذلك أن النجاح ليس قاعدة، بل نتيجة جودة التصميم والتنفيذ وملاءمة الحالة، وأن استنساخ نموذج ناجح خارج سياقه قد يُفضي إلى نتائج معاكسة.
الحالة الرابعة (YouthBuild) كنموذج تدخل اجتماعي أوسع (تعليم + تدريب + تنمية شبابية)
تقييم (MDRC) أظهر أنه بعد أربع سنوات ظهر تحسن في الحصول على شهادة الثانوية، وزيادة في الالتحاق بالتعليم، إضافة إلى ارتفاع الأجور الأسبوعية بنحو 19% وفق بيانات الاستبيانات، لكن لم تظهر النتائج نفسها بوضوح في السجلات الرسمية، كما أن المنافع قصيرة الأجل لم تتجاوز التكاليف بصورة حاسمة، وذلك يعني أن التدخلات الاجتماعية الشاملة قد تحقق أثرًا، لكنها أبطأ، وأصعب في القياس، وتعتمد نتائجها على المدى الطويل.
الخلاصة التحليلية من الحالات: ما ينجح في تقليص فجوات اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) عبر القطاع غير الربحي يتكرر في ثلاثة عناصر: (1) ارتباط وثيق بطلب سوق العمل، وشراكات أصحاب العمل، (2) خدمات مساندة تقلل عوائق الانتظام والإتمام، (3) متابعة بعد التوظيف وتحديث مهارات لاحق؛ لأن تغير المهارات سريع.
قياس الأثر والقيود والتوصيات
في اقتصاد-كي، قياس الأثر ليس ترفًا، بل شرط للتمويل والاستدامة؛ لذا ننصح بأن يُبنى القياس على مستويين:
- المستوى الفردي: (أ) إتمام التدريب، (ب) اكتساب شهادة/ مهارة قابلة للتحقق، (ج) توظيف في قطاع مستهدف خلال 3-6 أشهر، (د) احتفاظ بالوظيفة من 6 إلى 12 شهرًا، (ه) فرق الدخل مقارنة بخط أساس، أو مجموعة مقارنة بعد 1-3 سنوات. نتائج MDRC وAbt تظهر أن مقاييس الدخل الطويلة المدى تعطي صورة أدق من المقاييس الفورية، وأن أثر بعض النماذج يظهر أو يتلاشى على مدى سنوات.
- المستوى النظامي: (أ) تكلفة لكل انتقال ناجح (Cost per placement/retention)، (ب) نسبة المستفيدين من فئات ذات هشاشة عالية: (نساء، منخفضو مهارة، غير رسمي، مناطق ضعيفة اتصال)، (ج) قياس عادل للفجوة الرقمية (اتصال، استخدام، مهارة)، (د) أثر على الاعتماد على إعانات أو الديون؛ حينما تتوفر بيانات، كما ورد في تقييم (Year Up).
ومن القيود والتحديات الرئيسية المتكررة:
- التمويل: التدخلات الفعالة ليست دائما رخيصة، وبعضها يحتاج شراكات شركات أو تمويلًا عامًا. غياب التمويل متعدد السنوات يدفع المنظمات إلى قياسٍ قصير المدى لا يلتقط أثر الدخل الحقيقي.
- قدرة التنفيذ: تقييمات (Work Advance) توضح تباينًا كبيرًا بين مواقع مختلفة، مع تفسير مرتبط بنضج العلاقات مع أصحاب العمل والخبرة المحلية؛ وهو ما يعني أن "نسخ نموذج ناجح" دون بناء قدرة تنفيذية محلية قد ينتج أثرًا ضعيفا.
- السياسات العامة: تقرير (WEF) يذكر أن فجوات المهارات أكبر عائق لتحول الأعمال، وأن تمويل التدريب وسياسات التدريب من أكثر السياسات ترحيبًا، في غياب دعم سياساتي، سيبقى التدريب مبعثرًا وغير كافٍ، خصوصًا إذا كان 59 من كل 100 عامل يحتاجون تدريبًا بحلول 2030.
- مخاطر الاعتماد على التقنية: تقارير دولية تحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم عدم المساواة بين الدول ودخلها، إذا تأخر التبني المحلي، أو غابت الحوكمة، أو لم تتوافر بنية رقمية؛ وهو ما يجعل "إدماج رقمي وحوكمة بيانات" جزءًا من التنمية الاجتماعية لا مسارًا جانبيا.
الجدول (3): توصيات سياسة حسب مستوى الزمن
| أفق زمني | توصيات عملية للقطاع غير الربحي | توصيات سياساتية/ تنظيمية مساندة | كيف تقاس النتائج |
| قصير المدى | إطلاق مسارات "ذكاء اصطناعي عملي" قصيرة مرتبطة بوظائف قائمة، وتقييم سريع للمهارات قبل/ بعد، وتقديم دعم مساندة لرفع الإتمام. | تمويل تجريبي قائم على نتائج أولية، وإتاحة بيانات سوق العمل للمنظمات، وسياسات تحفز الشركات على تدريب داخلي. | معدل إتمام، اكتساب مهارة، توظيف خلال 3-6 أشهر، تبني أدوات رقمية في العمل. |
| متوسط المدى | بناء شراكات قطاعية مع أصحاب العمل لتدريب قطاعي، وتوسيع التدريب العملي، وإنشاء نظم متابعة بعد التوظيف وتحديث مهارات. | إدماج تمويل التدريب ضمن سياسات سوق العمل، وربط التدريب بحماية اجتماعية مؤقتة، وتقوية بنية الإنترنت للفئات المتأخرة. | احتفاظ 6-12 شهراً، فرق دخل 1-3 سنوات، تكلفة لكل توظيف/ احتفاظ، مؤشرات تضييق فجوة الإنترنت. |
| طويل المدى | تحويل التدريب إلى بنى دائمة: منصات تعلم مدى الحياة عبر شبكات المجتمع المدني، وتوسيع برامج الإدماج الرقمي، ومراكز بيانات أثر. | إصلاحات تعليم وتدريب مهني، حوكمة ذكاء اصطناعي للعدالة، سياسات تقلل تركيز مكاسب الإنتاجية وتدعم الحراك. | انخفاض فجوة مهارات، تحسن مؤشرات جودة العمل، تحسن مؤشرات تنمية بشرية محلية، قياس حراك اجتماعي. |
قراءة في السياق الوطني
تنطبق أطر اقتصاد-كي (K) على الحالة المحلية بالمملكة العربية السعودية، بصورة لها خصوصيتها؛ إذ تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: تحول اقتصادي واسع تقوده رؤية 2030، وسوق عمل يعيد تشكيل علاقة المواطنين بالقطاع الخاص، ومنظومة أدوات حكومية لتأهيل الكوادر وتوفير الدعم الوظيفي.
تكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن معدل بطالة السعوديين بلغ 6.8 بالمئة في الربع الثاني من 2025، ثم ارتفع إلى 7.5 بالمئة في الربع الثالث، ليقترب من مستهدف رؤية 2030 البالغ 7 بالمئة (GASTAT, 2025)، وتستجيب الدولة لفجوات المهارات عبر صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، الذي يعد أداة رئيسة لتنفيذ سياسات التوطين وتأهيل الكوادر، إلى جانب منصة (طاقات) بوصفها البوابة الوطنية للعمل.
وفي السياق ذاته، جعلت رؤية 2030 القطاع غير الربحي فاعلاً تنمويًا، عبر المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الذي يستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 بالمئة بحلول 2030، ويكشف التقرير السنوي للمركز لعام 2024م أن المساهمة المباشرة للجمعيات والمؤسسات الخاضعة لإشرافه بلغت 0.99 بالمئة، وأن عددها نما بنسبة 252 بالمئة منذ انطلاق الرؤية، فيما بلغت نسبة المنظمات المتخصصة الداعمة للأولويات التنموية 92 بالمئة، وتجاوز مؤشر رضا المستفيدين 88 بالمئة، مع تحقيق مستهدف المليون متطوع قبل ست سنوات من موعده (NCNP, 2024). غير أن تقرير «آفاق القطاع غير الربحي 2025» الصادر عن مؤسسة الملك خالد، بالاستناد إلى بيانات الهيئة العامة للأوقاف والهيئة العامة للإحصاء، يرسم صورة أوسع، بمنهجية أشمل، تدمج إنفاق المنظمات والأوقاف والجمعيات التعاونية، والقيمة الاقتصادية للتطوع؛ إذ تجاوزت المساهمة الإجمالية للقطاع بهذه المنهجية سقف 100 مليار ريال لأول مرة، بما يعادل 3.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، تتوزع على الأوقاف (48 مليارًا)، وإنفاق المنظمات (47 مليارًا)، والتطوع (5 مليارات)، والجمعيات التعاونية 2 مليار. (مؤسسة الملك خالد، 2025).
غير أن الصورتين تلتقيان عند تحدٍ واحد، وهو أن نسبة العاملين في القطاع لا تتجاوز 0.64 بالمئة من إجمالي القوى العاملة، مما يعني أن دور القطاع في استيعاب الكوادر الوطنية، وإعادة تأهيل المتأثرين بالتحول الرقمي لا يزال في طور التأسيس، ومن هنا تبرز ثلاث أولويات عملية، أولاها توسيع شراكات القطاع غير الربحي مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص؛ لتولي برامج إعادة التأهيل للفئات الأكثر عرضة للإزاحة الوظيفية، ثم تكييف النماذج الدولية المقيمة مثل (Year Up, Per Scholas, Generation)، وفق خصوصية الحالة الوطنية بدلاً من استيرادها حرفياً، وأخيراً بناء قدرة تقييمية محلية، تعتمد المنهجيات التجريبية وشبه التجريبية، بحيث تتحول برامج التدريب إلى تدخلات قابلة للقياس قبل التوسع، لا إلى مبادرات تُقاس بحجم الإنفاق وحده.
الخاتمة
يُظهر تحليل اقتصاد-كي (K-Shaped Economy) أن التفاوت لم يعد ظاهرة عابرة، بل سمة هيكلية في الاقتصادات المعاصرة؛ تتعمّق مع التحول الرقمي وتسارع التغير التقني. وفي هذا السياق، لم يعد كافيًا التعامل مع النتائج، بل أصبح من الضروري التدخل في مسارات الانتقال نفسها؛ لضمان عدالة الفرص، وإتاحة الوصول إلى الموارد والمهارات.
ويبرز القطاع غير الربحي كفاعل محوري في هذا التحول، ليس فقط من خلال تقديم الخدمات، بل عبر بناء منظومات متكاملة، تدعم الانتقال العادل في سوق العمل، وتعزز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتربط بين التدريب، والسياسات، واحتياجات السوق الفعلية.
وفي المحصلة، فإن تقليص فجوات اقتصاد-كي يتطلب تكامل الجهود بين القطاع غير الربحي، والحكومي، والخاص، ضمن رؤية تنموية شاملة، توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتضمن أن تغدو التحولات التقنية فرصاً مشتركة، لا عوامل تعميق للتفاوت.
المراجع
- Abt Global (2022) Benefits that last: long-term impact and cost-benefit findings for Year Up. Available at: https://www.abtglobal.com/insights/publications/report/benefits-that-last-long-term-impact-and-cost-benefit-findings-for-year (Accessed: 25 April 2026).
- General Authority for Statistics (GASTAT) (2025) Labor market statistics, Q3 2025. Available at: https://www.stats.gov.sa/w/news/146 (Accessed: 20 May 2026).
- International Labour Organization (ILO) (2024) World employment and social outlook. Available at: https://www.ilo.org/sites/default/files/2024-06/WESO_May2024%20-%20Final_30-05-24_2.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- International Monetary Fund (IMF) (2024) Artificial intelligence and the future of work. Available at: https://www.imf.org/-/media/files/publications/sdn/2024/english/sdnea2024001.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- International Telecommunication Union (ITU) (2024) Measuring digital development: facts and figures 2024. Available at: https://www.itu.int/itu-d/reports/statistics/wp-content/uploads/sites/5/2024/11/2402588_1e_Measuring-digital-development-Facts-and-Figures-2024_v4.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- King Khalid Foundation (2025) Non-profit sector outlook 2025 (آفاق القطاع غير الربحي 2025). Available at: https://kkf.org.sa/media/nllewn4j/trends2025_0.pdf (Accessed: 20 May 2026).
- MDRC (2016) Encouraging evidence on a sector-focused advancement strategy. Available at: https://www.towardsemployment.org/wp-content/uploads/2016_Workadvance_Final_Web.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- MDRC (2022) Employment and earnings effects of the WorkAdvance demonstration after seven years. Available at: https://www.mdrc.org/work/publications/employment-and-earnings-effects-workadvance-demonstration-after-seven-years/file-full (Accessed: 25 April 2026).
- MIT Poverty Action Lab (J-PAL) (2022) Evidence review: sectoral employment programs. Available at: https://www.povertyactionlab.org/sites/default/files/publication/Evidence-Review_Sectoral-Employment_2222022_0.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- National Center for Non-Profit Sector (NCNP) (2025) Annual report 2024 (التقرير السنوي للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي لسنة 2024). Available at: https://ncnp.gov.sa/ar/reports (Accessed: 20 May 2026).
- PwC (2025) Global AI jobs barometer. Available at: https://www.pwc.com/gx/en/news-room/press-releases/2025/ai-linked-to-a-fourfold-increase-in-productivity-growth2025. Available at:
- https://www.pwc.com/gx/en/issues/artificial-intelligence/ai-jobs-barometer.html (Accessed: 25 April 2026).
- United Nations Development Programme (UNDP) (2024) Human development report 2023/2024. Available at: https://www.undp.org/sites/g/files/zskgke326/files/2024-03/hdr2023-24overviewen.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- United Nations Bahrain (2024) Digitalization and artificial intelligence promise to boost jobs in Arab states. Available at: https://bahrain.un.org/en/302538-digitalization-and-artificial-intelligence-promise-boost-jobs-arab-states (Accessed: 25 April 2026).
- U.S. Bank (2026) K-shaped economy report. Available at: https://www.usbank.com/content/dam/usbank/en/documents/pdfs/corporate-and-commercial-banking/k-economy.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- U.S. Bureau of Labor Statistics (BLS) (2021) Working papers. Available at: https://www.bls.gov/osmr/research-papers/2021/pdf/ec210020.pdf (Accessed: 25 April 2026).
- World Economic Forum (WEF) (2025) The future of jobs report 2025. Available at: https://www.weforum.org/publications/the-future-of-jobs-report-2025/digest/ (Accessed: 25 April 2026).