الملخص

تسعى العديد من الحكومات ومطوري التقنيات إلى ترسيخ الشمول الرقمي بوصفه ممكنًا أساسيًا ضمن خدماتهم، بهدف تعزيز المشاركة المجتمعية ودعم التنمية المستدامة. ووفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات، يُعرّف الشمول الرقمي بأنه ضمان قدرة جميع الأفراد—بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الجنس أو العمر أو اختلاف القدرات—على الوصول إلى المنتجات والخدمات الرقمية والاستفادة منها بشكل عادل ومنصف (ITU، n.d.).

يشمل الشمول الرقمي عدة فئات من المستخدمين، من بينهم الأشخاص ذوو الإعاقة بمختلف أنواعها (الحركية، السمعية، البصرية، والإدراكية)، وكبار السن، وسكان المناطق النائية. وفي هذا السياق، يشير تقرير صادر عن هيئة الحكومة الرقمية في يوليو 2025 إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة العربية السعودية يتجاوز 1.3 مليون شخص، بينما يشكل كبار السن نحو 5% من إجمالي السكان (هيئة الحكومة الرقمية، يوليو 2025).

القيمة الاستراتيجية للشمول الرقمي

لا يقتصر دور الشمول الرقمي على ضمان الوصول العادل إلى الخدمات الرقمية، بل يمتد ليشمل تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية للحكومات والمؤسسات. فهو يسهم في تعزيز الشفافية وبناء الثقة في الخدمات المؤسسية، ويدعم النمو الاقتصادي من خلال توسيع نطاق المشاركة المجتمعية، كما يحسن جودة الحياة لكافة فئات المجتمع عبر توفير خدمات سهلة وميسرة.

ومع ذلك، فإن دمج الشمول الرقمي في الخدمات يعتمد على مجموعة من الأبعاد المترابطة التي تحدد مدى إمكانية الوصول إلى الخدمات الرقمية واستخدامها والاستفادة منها من قبل مختلف الفئات، وتشكل هذه الأبعاد الأساس للتحول الرقمي المستدام (ITU، n.d.).

الأبعاد الرئيسية للشمول الرقمي

يرتكز الشمول الرقمي على عدة أبعاد متكاملة يعزز كل منها الآخر. ويعالج كل بُعد نوعًا مختلفًا من العوائق أمام المشاركة الرقمية العادلة، مما يتطلب استجابات منسقة على المستويين السياساتي والتشغيلي.

البُعد التنظيمي والتشريعي

تُعد الأطر القانونية والتنظيمية الفعالة عنصرًا أساسيًا لضمان الوصول إلى الخدمات الرقمية باعتباره حقًا أساسيًا. إذ تُلزم هذه الأطر الجهات الحكومية والخاصة بإدماج عناصر الشمول ضمن خدماتها الرقمية، بحيث تصبح قابلية الوصول وسهولة الاستخدام مكونات إلزامية في تصميم الخدمات وليست خيارًا إضافيًا.

البعد التقني والبنية التحتية

يتمثل هذا البعد في توافر بنية تحتية تقنية كافية، تشمل شبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت. وتمكّن هذه البنية الأفراد في مختلف المناطق الجغرافية—خصوصًا المناطق النائية والمحرومة—من الوصول إلى الخدمات الرقمية بشكل موثوق وفعال.

البُعد الثقافي والتعليمي

يركز هذا البعد على بناء المهارات اللازمة للتفاعل مع التقنية، من خلال برامج التدريب وبناء القدرات، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا مثل كبار السن، لضمان أن يتحول الوصول إلى الخدمات الرقمية إلى استخدام فعّال وهادف.

جهود المملكة العربية السعودية في الشمول الرقمي

تولي المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بالشمول الرقمي، ويتجلى ذلك في إطلاق المبادرات الوطنية واعتماد التشريعات ذات الصلة. وتشمل جهود التحول الرقمي ضمن برنامج التحول الوطني مبادرات تهدف إلى تعزيز الشمول الرقمي في مختلف القطاعات، مما يسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية وتوسيع نطاق الوصول إلى الموارد والخدمات.

ومن أبرز تجليات هذه الجهود منظومة المنصات الحكومية الرقمية المتكاملة، مثل:

  • مدرستي
  • صحتي
  • قوى
  • بلدي

حيث تقدم هذه المنصات خدمات رقمية شاملة تستهدف طيفًا واسعًا من المستخدمين.

كما أنشأت المملكة جهة متخصصة تعنى برعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، لتكون مظلة تُعنى بتلبية احتياجاتهم وتطوير الخدمات المقدمة لهم. إضافة إلى ذلك، أطلقت هيئة الحكومة الرقمية “برنامج الشمول الرقمي” الذي يهدف بشكل رئيس إلى زيادة استخدام المنصات الرقمية من قبل كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة (هيئة الحكومة الرقمية، 2025).

الشمول الرقمي كمقياس لنضج الحكومة الإلكترونية

لم يعد الشمول الرقمي مقتصرًا على تمكين المشاركة المجتمعية أو تحسين جودة الخدمات، بل أصبح أحد المعايير الأساسية لقياس تقدم الدول ونضج خدمات الحكومة الإلكترونية ومدى توافقها مع المعايير الدولية.

ومن أبرز المراجع الدولية في هذا المجال مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية (EGDI)، حيث حققت المملكة المرتبة الرابعة عالميًا من بين 193 دولة في عام 2024. ويستند هذا المؤشر إلى ثلاثة أبعاد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بممكنات الشمول الرقمي (الأمم المتحدة، 2024).

كما حققت المملكة إنجازًا عالميًا بارزًا بحصولها على المرتبة الثانية عالميًا من بين 197 دولة في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي (البنك الدولي، 2024).

وعلى المستوى الوطني، تُستكمل المؤشرات الدولية بإطارات قياس محلية، حيث أطلقت هيئة الحكومة الرقمية مؤشرًا سنويًا لقياس نضج التجربة الرقمية، مع التركيز على تعزيز الوصول الشامل للخدمات الرقمية واستخدامها الفعّال من قبل جميع فئات المستخدمين.

وتعكس هذه المؤشرات والمبادرات الأهمية المتزايدة للشمول الرقمي في تحقيق العدالة الرقمية وتعزيز مكانة الحكومات عالميًا.

الخاتمة

يؤكد التقرير أن الشمول الرقمي لم يعد قضية هامشية، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء الحكومات الرقمية الحديثة. ومن خلال معالجة الأبعاد التنظيمية والتقنية والثقافية، نجحت المملكة العربية السعودية في ترسيخ الشمول الرقمي كأولوية لتحقيق العدالة الاجتماعية ومؤشر رئيس على نضج الحكومة الإلكترونية.

وتظهر المؤشرات الوطنية والدولية أن الخدمات الرقمية الشاملة تمثل عنصرًا أساسيًا لتعزيز الشفافية والثقة والتنافسية العالمية، مما يدعم انتقال المملكة من تحقيق الإنصاف الرقمي إلى تحقيق الريادة الرقمية.

المراجع

  • هيئة الحكومة الرقمية (2025) تقرير الشمول الرقمي. الرياض: هيئة الحكومة الرقمية. متاح على: https://www.dga.gov.sa (تاريخ الاطلاع: 28 ديسمبر 2025).
  • الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) (بدون تاريخ) الشمول الرقمي. متاح على: https://www.itu.int (تاريخ الاطلاع: 28 ديسمبر 2025).
  • الأمم المتحدة (2024) تقرير الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية 2024: تسريع التحول الرقمي من أجل التنمية المستدامة. نيويورك: إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. متاح على: https://publicadministration.un.org (تاريخ الاطلاع: 28 ديسمبر 2025).
  • البنك الدولي (2024) مؤشر نضج الحكومة الرقمية: قياس التحول الرقمي الحكومي. واشنطن العاصمة: مجموعة البنك الدولي. متاح على: https://www.worldbank.org (تاريخ الاطلاع: 28 ديسمبر 2025).