الملخص
على مرّ التاريخ، عرفت كل حقبة ما يمكن تسميته بـ“الخنفشاري”، وهو الشخص الذي يتقمص وهم المعرفة، ويقدّم نفسه بوصفه عالمًا دون أن يقترب حقيقةً من العلم. وفي عصر الذكاء الاصطناعي اليوم، تضاعفت هذه النماذج بأشكال حديثة، مرتدية عباءة “الخبراء”، ومستخدمة مصطلحات براقة تأسر الجمهور، وتضلل المبتدئين، وتشوّش على عمل الباحثين الحقيقيين.
تعكس هذه الظاهرة المعاصرة قصة “الخنفشار” القديمة، كما وردت في نفح الطيب ومصادر عربية أخرى. وتحكي القصة عن رجل ادّعى المعرفة في كل المجالات، فاختبره ستة من رفاقه الذين شكّوا في دعواه، فابتكروا كلمة وهمية “الخنفشار” وسألوه عن معناها. فادّعى دون تردد أنه نبات عطري في اليمن يجمّد حليب الإبل، واستشهد ببيت شعر مختلق، ونسب القول إلى داود الأنطاكي، بل وربطه زورًا بالحديث النبوي. وعندما واجهوه، افتُضح أمره، وأصبح “الخنفشاري” رمزًا دائمًا للتدليس والتظاهر بالعلم (Wikipedia، n.d.)
الخنفشاري المعاصر: مدّعو المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي
لم يعد الخنفشاري في عصر الذكاء الاصطناعي يختلق كلمات بلا معنى، بل أصبح يعيد تدوير مصطلحات حقيقية دون فهم جوهرها أو تطبيقاتها. فهو يتحدث بثقة عن التعلم الآلي، وتحليل المشاعر، وخوارزميات اتخاذ القرار، ويعد بمنصات مبتكرة وتحولات ثورية، دون أن يقدم أبحاثًا منشورة أو نماذج عملية قابلة للتطبيق.
يعتمد هؤلاء على استعارة المصطلحات واستخدام التعقيد كغطاء، فيبهرون الجمهور بكلمات رنانة، بينما يتجنبون الصرامة العلمية التي تميز الخبرة الحقيقية. فتتحول الثقة لديهم إلى بديل عن الكفاءة، ويصبح الإقناع اللفظي هو المؤهل الأساسي.
الآثار الاجتماعية والمؤسسية
لا يقتصر خطر هذه الظاهرة على الخداع الفردي، بل يمتد ليشمل آثارًا جماعية. إذ تنخدع بعض المؤسسات بهؤلاء المدّعين، فتخصص ميزانيات لمشاريع يُروَّج لها بأنها “ستغير المستقبل”، لكنها تنتهي بواجهات جذابة وخوارزميات غير فعّالة.
ونتيجة لذلك، يتم تشويه صورة الذكاء الاصطناعي—وهو علم دقيق قائم على الرياضيات والإحصاء والهندسة—ليتحول إلى استعراض وهمي. وفي أيدي الخبراء الزائفين، يصبح أداة تسويقية، أو رمزًا للمكانة، أو حتى وسيلة للتضليل.
جذور الظاهرة
تكمن في قلب هذا الوباء الفكري ثلاثة أسباب رئيسية:
تعود هذه الظاهرة الفكرية إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
- حاجة نفسية للظهور: رغبة في الظهور بمظهر العارف دون بذل جهد حقيقي للإتقان.
- فراغ معرفي عميق: غياب الأساس العلمي يتم تعويضه بالاستعراض اللفظي.
- بيئة ثقافية تمجّد البلاغة على حساب الحقيقة: حيث تتفوق الفصاحة على الدليل، ويحل التصفيق محل التساؤل النقدي.
وتزدهر هذه النماذج في مجتمعات لا تعلي من قيمة التحقق، حيث نادرًا ما يتم مساءلة المصادر، ويصبح التمييز بين العالم والمقلد أمرًا ضبابيًا.
استعادة النزاهة الفكرية
للخروج من هذه الظاهرة، يجب تمكين التفكير النقدي وتعزيز ثقافة التحقق والمساءلة. فالمعرفة الحقيقية تربط بين القول والعمل؛ فالخبير الحقيقي لا يكتفي بالكلام، بل يبني ويختبر ويقدم نتائج قابلة للقياس.
العالم الحقيقي يبسط التعقيد، ويتواصل بتواضع، ويعترف بحدود معرفته. أما المدّعي، فيزدهر في الغموض والتعقيد والتصفيق.
الذكاء الاصطناعي ليس سحرًا ولا غموضًا، بل هو علم قائم على الرياضيات والإحصاء والخوارزميات والتجريب. والحديث عنه ينبغي أن يكون لمن بنى واختبر وقدم إسهامات ملموسة. أما “الخنفشاريون” الجدد، فمكانهم ليس في دوائر العلم، بل في الأدب، بوصفهم قصصًا تحذيرية عن الغرور والزيف والنهاية المحتومة.
الخاتمة
لم يوسّع عصر الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان فحسب، بل ضاعف أيضًا من مظاهر التظاهر بالمعرفة. والتحدي الذي نواجهه اليوم هو حماية المعرفة من التشويه، والعلم من الاستعراض.
علينا أن نحمي وعينا الجمعي من هذا الوباء الفكري الجديد. فالتقدم الحقيقي لا يبدأ بالادعاءات الصاخبة، بل بالحقيقة، والتواضع، والمثابرة.
فما يُبنى على “الخنفشار” لا يدوم، وما يُبنى على العلم يبقى.
المراجع
- Wikipedia (n.d.) [“Khanfashar”]. Available here (Accessed: 6 November 2025).