الملخص

تفرض بيئات الأعمال المعقدة والمتسارعة إعادة النظر في الطريقة التي تفكر بها المؤسسات في الجودة والتميز، بعد تزايد أثر التحولات التقنية والجيوسياسية والتنظيمية.

وتتجه النماذج العالمية الحديثة إلى تعزيز الترابط بين الجودة والمخاطر والاستدامة والثقافة المؤسسية ضمن رؤية أكثر تكاملاً ومرونة.

وتكمن قدرة المؤسسة على الاستمرار في التمسك بهويتها وقيمها ومركزية العميل ومنهجية التحسين، مع المرونة في مراجعة الاستراتيجيات والهياكل ونماذج العمل والأدوات.

حين يصير التعقيد وضعاً طبيعياً جديداً

في عالم اليوم، لم يعد التعقيد في بيئات الأعمال مجرد حالة استثنائية تُدار بخطة أزمة محكمة؛ فقد صار السمة الدائمة والوضع الطبيعي الجديد (New Normal) اللذين لا بد أن تُبنى عليهما الاستراتيجيات المؤسسية. وربما يدرك الناظر البصير، من غير حاجة إلى جهد تحليلي كبير، الحقائق الآتية:

  • سلاسل الإمداد التي قامت على فرضية الاستقرار أصبحت تتعثر مع كل توتر جيوسياسي أو اقتصادي جديد.
  • التحول التقني الجوهري الذي يقوده الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف نماذج العمل بوتيرة تفوق قدرة كثير من المنظمات على استيعابه.
  • المتطلبات القانونية والتنظيمية تزداد كثافة وتشابكًا بين خصوصية البيانات وحوكمة الذكاء الاصطناعي والاستدامة.
  • سوق العمل نفسه يتغير بلا هوادة؛ فتتبدل توقعات العناصر المؤثرة فيه ودرجة ولائها.
  • هذه الموجات الأربع المتلاطمة تلتقي في مصب واحد لا يمكن تجاهله، تحت عنوان: "ثبات الأمس لم يعد كافيًا لضمان استقرار الغد".

نماذج الجودة والتميز تعيد تشكيل بنيتها

تكمن المفارقة في أن هذا التعقيد نفسه أنتج، بلا شك، فرصًا جديرة بالاهتمام، وأحدث أثرًا واضحًا في مجموعة كبيرة من الأطر والنماذج العالمية للجودة والتميز المؤسسي، التي خضعت، وما تزال، لمراجعات شبه متزامنة، وكأن التعقيد دفعها إلى النضج معًا. فأعاد كل منها صياغة ذاته، ومنح القيادة والثقافة المؤسسية والترابط والشمول وزنًا أكبر في مواجهة بيئات أعمال معقدة ومتقلبة.

ويظهر ذلك في نموذج المؤسسة الأوروبية لإدارة الجودة (EFQM) بنسخته لعام 2025، والنموذج الأمريكي الشهير (Baldrige) في نسخته الجديدة لعام 2026، بعد انتقال إدارته إلى تحالف التميز المؤسسي في الولايات المتحدة الأمريكية، والمواصفة القياسية الدولية الأشهر (ISO 9001)، التي اقترب إصدارها السادس من مرحلة التصويت النهائي في مجلس منظمة الأيزو قبل نهاية عام 2026.

ويشمل ذلك أيضًا مجموعة كبيرة من المواصفات الإرشادية المرجعية الداعمة، التي حُدِّثت أو دخلت طور التحديث، وراعت التعقيد في مراجعاتها. ولعل أبرزها المواصفة الدولية لإرشادات النجاح المستدام لأنظمة الجودة، المعروفة باسم (ISO 9004)، التي بلغت مراجعتها حاليًا مرحلة المسودة الدولية.

وتكمن الفرصة، باختصار، في أن هذه الأطر والنماذج لم تعد تتعامل مع الجودة والمخاطر والاستدامة والثقافة المؤسسية بوصفها ملفات منفصلة، وإنما بدأت تدمجها في منظومة تفكير مترابطة ومتكاملة. وهذا تطور تفرضه طبيعة بيئات الأعمال المعقدة، ويصعب تصوره بمعزل عنها.

وربما يكون من المفيد هنا طرح السؤال الأهم: كيف نمضي قدمًا وسط هذا الصخب؟

في تقديري، تبدأ الخطوة الأولى بإعادة النظر في الثوابت والمتغيرات والعلاقة بينهما، قبل الانشغال بإضافة أدوات أحدث وأكثر جاذبية. وعلى المنظمات التي تتعامل مع أنظمة الجودة والتميز المؤسسي من منظور تحصيل الاعتراف وحده أن تدرك أن هذه الاعترافات قد تتحول، مع التغيرات الجوهرية المتسارعة، إلى عبء وثقل جديدين. أما المنظمات التي تتعامل مع تلك الأطر وتغيراتها بوصفها طريقةً للتفكير، فتجد فيها بوصلة تعيد معايرة نفسها مع كل تحول.

ما الذي ينبغي أن يظل ثابتاً؟

ويمكن إجمال الثوابت الواضحة التي ينبغي التمسك بها خلال رحلة الجودة والتميز المؤسسي في بيئات الأعمال المعقدة فيما يأتي:

  • الهوية المؤسسية وقيمها الحاكمة.
  • مركزية العميل وسائر المعنيين بالخدمات والمنتجات والعمليات المؤسسية.
  • التفكير المنهجي القائم على القياس الموضوعي والتقييم المستمر.
  • التحسين والتطوير المستمران.

وما الذي يجب أن يبقى مرناً؟

أما المتغيرات، فتشمل كل ما عدا ذلك تقريبًا، بما في ذلك الاستراتيجيات، سواء أكانت مؤسسية أم وظيفية أم غير ذلك، ونماذج العمل، والهياكل التنظيمية، والمسارات، والخطط، والأدوات التقنية، وقنوات التفاعل، وسائر الممكنات التنظيمية.

وهذه كلها قابلة للمراجعة والتغيير والمواءمة، من دون أدنى شعور بالندم، ما دامت متسقة مع منطق الأشياء!

البيئات المعقدة، يا صديقي، تكافئ المتمسكين بالثوابت، والمجيدين للتفاوض حول المتغيرات، أكثر مما تكافئ المتباهين بامتلاك أحدث النماذج أو أرفع مستويات الاعتراف.